الفرق بين المجتمع الإسلامى المعاصر والحقائق النظرية للإسلام
بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ
يتميز الإسلام بانه كائن حى – على حد تعبير روجيه جارودى فى ما يعد به الإسلام – اذ يملك هذا الدين قدرة فريدة ومميزة على تطوير نفسه وتجديدها وتغيرها ، فهو يقدم نفسه عبر مجموعة من النصوص سواء " القرآن او الحديث" ، هذه النصوص حية متجددة من النوعية العميقة متسعه ومتعددة المعانى والدلالات ، ويتم حملها على معانى مختلفة من زمن لآخر ومن مكان لآخر ومن شخص لآخر – كما ان الإسلام لا يعرف مؤسسة تتبناه تحدد له المعانى فقد ترك الله الحرية للإجتهاد ، ولم يعرف الاسلام الكهنوتية او الاسرار .
ولا يفوتنا ان نؤكد ان جوهر النصوص بالطبع يظل واحد ونفيس ومتين ، ولا عجب فيما ورد من الآثر ان القرآن لا يقول ولكن تقول به الرجال ، فالقرآن حمال أوجه فأحملوه على أحسن الأوجه ، وكذلك فان السنة متمثلة فى نص الحديث تمتلك عمقا يجعلها متجددة ، لذلك يمكننا ان نقول ان الثقافه الإسلامية لا تملك قولا واحدا بل اقوال مختلفة ومتجددة وان الأصل فيها النصوص لا أكثر.
ونلاحظ ثمة بونا شاسعا بين المجتمع الإسلامى المعاصر بكل تجلياته وظواهره ، وثقافته وأفكاره حول الإسلام ذاته او غيره من الامور ، وبين حقائق الاسلام المطلقة بالالف واللام منزوعة من اى تشكل او تأثير اجتماعى او ثقافى او فكرى او تاريخى او سياسى ، فالمجتمع الإسلامى لا يعكس بالضرورة حقائق الاسلام ، وخصوصا انه مجتمع مر بأزمات ومشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية عبر تاريخه الممتد لاكثر من اربعة عشر قرنا ، وكان أخطر ما مر به المجتمع الاستبداد السياسى والاستعمار والتبعية السياسية والثقافية للغير . وهى بالامور التى تحرف فحوى اى فكر او معنى اى نص .
فمخطئ من يظن ان الاحكام والمعايير الدينية فى المجتمع الاسلامى وأقول الدينية مصدرها الاساسى والوحيد الدين وحده فى مصادره المعتمدة من كتاب وسنة أوقياس واجماع . فان تأثير التصورات الثقافية السائدة والاعراف الاجتماعية واضح فى الحكم الدينى العقدى والشرعى على حد سواء .
مما لا شك فيه ان الاسلام اليوم مبتلى بشدة بالمسلمين انفسهم ( سلوكهم ، وحالهم ) فهم يعكسون فى سلوكياتهم جهل بالدين ( لا تفريط ولا افراط بل جهل ) او معرفة منقوصة (يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ) او معرفة مغلوطة بالعقيدة والممارسة فى ان واحد .
انظر لسلوكياتهم و لمعاملاتهم . ناهيك عن واقعهم الحضارى والثقافى والاقتصادى والاجتماعى ، كلنا فاسدون ولا استثنى أحدا ، وهذا ليس نوعا من جلد الذات المسلمة لنفسها وإنما للاسف هى الحقيقة التى علينا بكل ما أوتينا من قوة ان تغيرها .
فأهم الأخطار والمخاطر على الدين الاسلامى اليوم ليس المد الالحادى ( الذى هو كبير بفعل حال المسلمين الحضارى وسلوكهم ) او المد التبشيرى ولا الصراع الحضارى السياسى (صدام الحضارات وحوارها ) ولا المؤامرة الكونية علي الاسلام ، ولكن ببساطة هم المسلمين انفسهم وفهمهم المغلوط والمنقوص لدينهم وعقيدتهم ومبادئه الاخلاقية ، وممارستهم التى لا علاقة لها بالدين الاسلامى ولا باى دين حتى .
فنحن اليوم كمسلمين اصبحنا فتنة للذين كفروا ، فهم عندما يروا حالنا يبعدون عن الاسلام بل يفرون منه فرارا ، وقد قال احد المستشرقين لا تحدثنى عن مبادئ نظرية للدين الاسلامى وجوهر اصلى له ومقاصد عليا ولكن حدثنى عن ماذا فعل المسلمين بالاسلام ؟ وماذا فعل الاسلام بالمسلمين ؟ ان الحركات الفكرية والعقائدية والاديان تقاس بمدى تأثيرها فى البشر انفسهم وكيف هم بعد ايمانهم بها ؟ وما اصبح حالهم ؟
ان المسلمين اليوم يتعصبون للاسلام وكأنه نادى رياضى منزوع الفكر والايدلوجية والاهداف والمقاصد والعقيدة كالاهلى والزمالك بالضبط ، ويخرصون بتعصبهم العلماء النابهين فى الامة والمجددين ويتهمون كل من يفكر بالكفر وينشرون الجهل بذلك التعصب ، ويغلقون اى باب للاجتهاد او التفكير او التأمل او التدبر الذى من المفروض انهم مأمورون به من الله ،
انهم يتميزون بعدم الفهم الصحيح للدين او المغلوط او المنقوص الذى لا يحمل رؤية كلية لهذا الدين او هذه العقيدة ، ويصنعون طواغيت كهنوتية يتبعونها اتباعا اعمى ، فالاصل فى الاسلام كفكر نظرى انه مباح لاى مسلم او حتى غير مسلم للنظر فيه ولكنهم يكرهون اى تجديد فى المفاهيم اتت به الضرورة المعاصرة ، قائلين هذا ما الفينا عليه ابائنا واجدادنا ، ويا ليتهم بعد ذلك كله يلتزمون بالشكل حتى او المضمون لهذا الدين المنقوص او المغلوط بل نراهم فصاميون مزدوجون لا يعرفون اين هم بالتحديد يقفون!
ولقد لمت نفسى عندما كتبت هذه الفقرات الا اننى وجدت من يؤيدنى من مفكرى الاسلام والكلام من كتاب "الاسلام كما أومن به لدكتور عبد الحليم عويس" دار الصحوة للنشر والتوزيع القاهرة 1991
"ان قضية الاسلام – اليوم – ليست فى تلك المشكلات التى تتوالى على المسلمين من كل مجرمى الارض فهذه المشكلات انما هى نتيجة وليست سببا لكن قضية الاسلام – اليوم – تنحصر فى انحسار مفهوم المسلمين للاسلام نفسه وفى قصور المسلمين فى تعاملهم مع الاسلام فما عاد المسلمون – الا اقل القليل – يستطيعون الصعود الى قمة التصور الاسلامى الصحيح"
"ان الاسلام الكونى قد اصبح – فى نظر بعضهم – إسلام " نوعيا " أو جزئيا أو مذهبيا أو نظريا أو مظهريا أو وسيله من جملة وسائل العيش"
"وقد أصبح تناول معظم المسلمين للاسلام تناولا عفويا او سطحيا ، يعيش فى دائرة هامشية ، تفتقد المعاناه الفكرية والمعاشية ، والتفاعل الواعى مع حقائق الاسلام – كفكر ونظام – ومع حضارته – كواقع – ظهر فى التاريخ البشرى ، وارتبط بالزمان والمكان ."
"وكما أصبح القرآن لا يجاوز الحناجر – لدى كثيرين – فقد أصبح الاسلام لا يجاوز التزاما ببعض الشعائر – فى نظر بعضهم – ورسالة جاءت بالعقيدة الصحيحة – فى نظر البعض – ودينا لا يزيد فى حجمه عن حجم الاديان الاخرى ، ولا علاقه له بنظام الحياة ، ومنهج السلوك الاجتماعى ، فى رأى اخرين"
"ان الاسلام رسالة أرسلها الله للانسان لكى تخاطب كل كيانه وتتفاعل مع كل طاقاته وليس من منهج الاسلام ان يضغط فقه المسلم للاسلام فى دائرة العقل او يحاصره فى دائرة الوجدان او ان يهتم منه بتعليمات الجسم وتهمل باقية التعليمات"
"ومن هنا – وحرصا على تكاملية الاسلام – يجب ان يقدم الاسلام للناس بصورة شاملة تتجاوز الاخطاء المرحلية والضغوط المذهبية والاتجاهات الذاتية بعيدا عن التركيز العقلى الذى يجعل الاسلام مجرد نظرية فلسفية وبعيدا عن التركيز الفقهى الذى يجعل الاسلام قانونا من القوانين وبعيدا عن التركيز الوجدانى الذى يجعل الاسلام طريقه صوفيه او تجربه روحيه شخصية سرعان ما تحفل بالبدع والخرافات التى ما انزل الله بها من سلطان الى غير ذلك من التركيزات والاسقاطات التى تفرض على الحقيقة الاسلامية ظلالا خارجيه لا تمت الى صبغة الله المتوازنه بنسب ولا صله "
عندما نظرت فوجدت هذا العنوان " اسلام السوق " ظننته يتحدث عن ذلك الاسلام المنتشر بين الناس والذى هو لا اسلام ولا دين اصلا ، ظننته يتحدث عن اسلام العامة والحشد والسوقى والدهماء الذين استبدلو الاصنام بصنم اخر مخفى هذه المرة ، او محدد المكان فى السماء او الكعبة او البيت المعمور ، فغياب رؤية وتصور توحيدى لله يسموا فوق الزمان والمكان يجعل هذا يكون ، وامتدوا فى ممارسة تقاليدهم الوثنية باعتبارها طقوس وشعائر اسلامية هذه المرة ، فهم مازالوا يذبحون القرابين ويوزعون النذور ويعبدون الشيوخ ويتخذونها اربابا من دون الله .
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق