عيش ،
حرية ، عدالة ، كرامة انسانية
ما تنادى به عقيدة المسلم
بقلم : احمد حمدى حسن حافظ
يعرض الاسلام
لثقة متبادلة بين الله تعالى ( التسبيح ) والإنسان (الخليفة )، حيث يعلن الله عز وجل
هذه الثقة صريحة على ملائكته سلفاً وقبل أن يعلم الإنسان في قوله لهم : وَإِذْ قَالَ
رَبّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ
فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ
لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون[1] ( خليفة تعنى وكيلا لى او ممثل رسمى
عنى .
والله هنا يراهن على الانسان وعلى قدرته بالعلم ( واهم العلم
معرفة الفرق بين الخير والشر ) على تحقيق مهمته فى الاستخلاف وانه سينجح فى تحقيق العدل
السماوى فى الارض فى حين لا يرى الشيطان ذلك.
( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)[2] )الانسان كائن ربانى بهذه النفخة ) وهذه كرامه ما
بعدها كرامه .
( إِنّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ
إِنّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً([3].
والامانة هى القدرة على اتخاذ القرار الصحيح الذى يحقق الصالح
العام والفلاح للجميع واستمرار الحياة والعيش على الارض .
فالخلافة والأمانة هما التعبير الموضوعي المباشر عن ثقة الله
بالإنسان. وعن المهمة الاصلية للانسان ، وتم هذا قبل أن يُطالَبَ الإنسان بأي شيء،
وبهما تمّ تكريم الإنسان على كثير من المخلوقات ( وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ
فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ
مِمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[4] والمهمة الاصلية للانسان نجدها فى هذه الاية وهى اعمار
الارض بمبادئ الخلافة وحفظ الامانة ( هُوَ
أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا
إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) [5]او يبقى على الإنسان من طرفه أن يثق بالله ويتقبل
المهمة او الامانة او الاستخلاف .
لاحظ الحديث كله عن الانسان وليس المسلم او المؤمن فقط .
يطرح الاسلام معنى العبادية المعاكس لمعنى العبودية التي
تعني سلب الإنسان كامل حريته وجعله رهن إشارة سيده في كل شيء.والعبادية التى هى الاسلام
هي ان يتخلوا عن عبودية اى شيئ آخر غير الله ( لا اله ) والله هو الاله الوحيد الذى بايجابه لا يستعبد الناس
بل يترك لهم الاختيار و حرية الارادة ويجعلهم عباد مكرمون مفوضون وليسوا عبيدا مجبرون ( قُلْ إِنّمَا يُوحَى إِلَيّ
أَنّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[6]( والاسلام فيه تختلف مفهوم العبودية لله عن مفهوم
العبودية العام فبعبادته نصبح مكرمون وخلفاء
ومفوضون ولنا كامل حريتنا واختيارنا وارادتنا . فالله ينفى عنا كوننا عبيد وانما عباد
، وهذا هو الاسلام الذى هو الدين الوحيد عند الله وماعداه لا يسمى دين ان الدين عند
الله الاسلام اى الحرية وليست العبودية هذا
عند الله المفهوم الوحيد المقبول للدين ، والحرية هي الشكل الوحيد فى الاسلام الذي تتجسد فيه عبادية الإنسان لله تعالى، تحقيقاً
لقوله تعالى ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ [7](وليس العبادة
في إقامة الشعائر من صلاة وصوم كما يزعم البعض، بل تشمل العبادة كل نشاطات الإنسان
وأفعاله وأعماله ، العبادة هى العيش ومبادئه ، لان الدنيا موضوع الدين ، ونحن نحاسب
على فلاحنا فى الدنيا الفلاح الذى هو معيار التدين ، وتأمين حرية ممارسة بنود الحياة الدنيا ( معنى الجهاد
)هو من أهم أساسيات النظام السياسي والاقتصادي للمجتمع الاسلامى ، وهو السبب الاوحد
لمفهوم الجهاد ، لأن تقدم المجتمع وازدهاره يقوم على الحرية.
والحرية هي كلمة
الله التي سبقت لأهل الأرض جميعا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ
فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنّهُمْ لَفِي
شَكّ مِنْهُ مُرِيب [8](، وفيها عبادية الإنسان لله تعالى، حيث أن العبودية من اختراع
الإنسان، والله لم يطلب العبودية من أحد. فالناس عباد الله في الدنيا، وعبيده يوم الحساب
فقط.
ومن حق الإنسان أن يطيع ويعصي بكل طواعية واختيار وأن يتخذ
القرارات (الأمانة)، لأنه لا ثواب ولا عقاب دون حرية تحقيقا للعدل الإلهي الذي لا يظلم
عنده أحداً. والحرية تسبق العدالة في سلم القيم، لهذا نجد العدل منتشراً في مجتمع الحرية،
أما في مجتمع القمع والظلم فإن كلمة الله هي السفلى، بغض النظر عن الأسماء والشعارات
التي يتسمى بها هذا المجتمع ويرفعها إسلامية أم علمانية أم قومية .
لأنه لا ثواب ولا عقاب اخروى إلا في ظل الحرية مصداقا لقوله
تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنْ الغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ
بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَاانفِصَامَ
لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[9].العواقب على الاختيار وحرية الارادة يوم القيامة
فقط ( الدنيا اختبار )- أن يؤمنوا باليوم الآخر ( يوم الحساب ) : مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ) [10](بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ
عِنْدَ رَبّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [11]
- وأن يعملوا صالحاً
ينفعهم وينفع الخلق معيار الفلاح لقياس التدين ومدى القدرة على اعمار الارض ، وهذا
العمل الصالح مفتوح البنود ومتطور ومتعدد إلى أن تقوم الساعة.
تم ذكر خطوطه العريضة
في الوصايا التي أوردها في تنزيله الحكيم، وهي الفرقان أو الصراط المستقيم (الفطرة
= القانون الطبيعي) الذي جاء فيه. يقول تعالى: {إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا
وَالنّصَارَى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ وَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ[12]
(
وقدّر أرزاق الناس وبقية المخلوقات الحية في الأرض قبل أن
يوجد الإنسان )وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدّرَ
فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَوَاءً لِلسّائِلِينَ}[13] (والله يرزق
عباده كلهم سواء للسائلين من مقام ربوبيته لهم أو من مقام الألوهية.
كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ
ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا[14]
بنود العبادية- التسبيح
: هو شكل الوجود فكل الأشياء العاقلة وغير العاقلة في حركتها الدائمة المتغيرة تنزّه
الله من أن يكون مثلها فينطبق عليه قانون التحوّل والتطوّر فيفسد ويهلك:{كُلّ شَيءٍ
هَالِكٌ إِلّا وَجهَهُ}(القصص 88)، {وَإِنْ مِن شَيءٍ إلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن
لَا تَفقَهُون تَسبيحَهُم} (الإسراء 44
- الناس كلها مستخلفة
والبشر كلهم عيال الله، مؤمنهم وكافرهم، مسلمهم ومجرمهم، موحدهم ومشركهم، مطيعهم وعاصيهم،
خلقهم من تراب وجعلهم عباداً ولم يجعلهم عبيداً. يطيعونه بملء إرادتهم ويعصونه بحرية
اختيارهم ولا يخرجون في الحالتين عن كونهم عباداً. وأن لكل إنسان الحق في أن يعتنق
أي ملّة وأي دين يرغب به، وأن يغير دينه أو ملته، وأن يعلن ذلك دون خوف من قتل أو اضطهاد،
وهو عبد الله في كل الحالات شريطة الالتزام بالجانب الإنساني الاجتماعي بالوصايا والعمل
الصالح، كالامتناع عن قتل النفس وشهادة الزور والغش بالمواصفات والكذب، هذا الجانب
الذي هو أكبر من التصويت وأكبر من الرأي والرأي الآخر
) لَا إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنْ
الغَيّ…} (البقرة 256). وقوله تعالى: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى
بَيّنَةٍ مِنْ رَبّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا
وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (هود 28).
3. الحياة هبة من الله تعالى للناس جميعاً فلا تؤخذ إلا بحقها،
وحقها هو النفس بالنفس كحد أعلى لعقوبة القتل: {وَلَا تَقْتُلُوا النّفْسَ الّتِي حَرّمَ
اللّهُ إِلّا بِالْحَقّ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام
151)، أي أن الأساس في الدماء هو الحرام، والحلال هو الإستثناء وهو ما حدده الله حصراً
في آياته. أو فساد في الأرض (جرائم ضد الإنسانية).
- الحاكمية الإلهية هي المرجعية الأخلاقية للإنسانية جمعاء
وتمثل القيم الإنسانية الفطرية الواردة في سورة الأنعام (151، 152، 153). وميزتها أن
الإنسان يقبل بها قبول تسليم لايخضع لاستفتاء أو تصويت، ولامكان فيها للرأي الآخر.
فالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح لايخضع للتصويت، ويأخذ به الإنسان بكامل
حريته وإرادته. والتوحيد وبر الوالدين وعدم قتل النفس بغير حق واجتناب الفواحش والإحسان
إلى اليتيم والتقيد بالمواصفات دون غش وحفظ العهود والوفاء بها، كل هذه قيم إنسانية
لاتخضع للتصويت لافي دولة دينية ولا في دولة علمانية. ولامحل فيها لأي معارض آخر، لأنها
مرجعية لجميع الناس على اختلاف مللهم وتوجهاتهم الدينية والفكرية والسياسية. وفيها
يتجلى صدق قوله تعالى: {إِنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران 19)،
{وَمَنْ يَبْتَــغِ غَيْــرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران 85)-
القيم الإنسانية
لها ميزة أساسية تؤكد أهمية كونها مرجعية أخلاقية عالمية فهي لا تحمل الصفة التشريعية
لأنها أعلى من التشريع، وأعلى من كل برلمانات العالم باعتبارها ميثاقاً إلهياً يحمل
السمة العالمية والإنسانية المطلقة في كل زمان ومكان، وغير خاضع للتصويت بل لحرية الاختيار
بجانبها العقائدي (الإيمان بالله واليوم الآخر والتوحيد).-
- . التحريم من اختصاص
الله تعالى حصراً لأنه شمولي وأبدي، والمحرمات الأساسية لا تتجاوز في كتاب الله
(14) محرماً تسع منها في سورة الأنعام (الآيات 151 ـ 152 ـ 153) مضافاً إليها محارم
النكاح وربا الصدقات والأطعمة المحرمة. وهذا يعني أن الحرام عيني ولايقاس عليه، والحلال
مطلق، وهو الأصل في الأشياء، والحرام هو الإستثناء.
- الشعائر من صلاة
وصوم وزكاة وحج أمور شخصية لا علاقة لها ببنية أي دولة، وهي ليست من القيم الأخلاقية،
فهي تدخل في إطارالعلاقة الخاصة بين العبد وربه ولاتخضع للتصويت في البرلمان، وقد أكد
التنزيل الحكيم وجود المساجد جنباً إلى جنب مع كنائس النصارى وكنس اليهود ومعابد الصابئة
(البوذية والبراهمة… إلخ) لأن كل الناس أحرار فيما يعتنقونه من معتقدات دينية، ولامحل
للعنف والاغتيالات السياسية بسبب ذلك، خاصة مع من يختلفون معه في المعتقد والرأي السياسي.
- - . الجهاد في
سبيل الله هو الدفاع عن الحرية الإنسانية التي هي كلمة الله التي سبقت لكل أهل الأرض،
وهو جهاد مقدس مختلف الأوجه ابتداء من الكلمة وانتهاء بالقتال، وهو نابع عن عقيدة فردية
يعبر من خلاله الإنسان عن التزامه بحريته وحرصه على الحفاظ عليها وعلى الدفاع عن حريات
الآخرين في حال تعرضها للانتهاك والتعدي من قبل دعاة الطغيان والجبروت
- يتم تقديم المساعدات
المادية (charity) للمحتاجين في كل بقاع العالم بغض
النظر عن انتماءاتهم الدينية وتوجهاتهم السياسية أو الفكرية أو الأيديولوجية أو قناعاتهم،
لأن المساعدات التي تقدم لهم إنما هي من باب إنساني محض لا صلة له بالحسابات السياسية.
ومثال ذلك المساعدات التي يتم تقديمها للدول المتضررة من الكوارث الطبيعية والحروب
من قبل دول العالم والمنظمات العالمية غير الربحية كالصليب الأحمر الدولي والهلال الاحمر
الدولي.
المرجع محمد شحرور
[1] البقرة 30
[2] الحجر - الآية
29
[3] الأحزاب 72
[4] هود - الآية 61
[5] الاسراء 70
[6] الأنبياء
108
[7] الذاريات 56
[8] هود 110
[9] البقرة
256
[10] البقرة 62
[11]
البقرة 112
[12] البقرة 62
[13] فصلت 10
[14] الإسراء - الآية 20
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق