إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 25 يوليو 2022

الاغتراب فى المفهوم الاختزالى للعبادات

 

الاغتراب فى المفهوم الاختزالى للعبادات

بقلم :


احمد حمدى حسن حافظ

دبلوم عالى فى الدراسات الاسلامية

         يحكى انه فى احد محاضرات التنمية البشرية ، وكانت المحاضرة مخصصة عن تنظيم وادارة الوقت ، وبسؤال احد النابهين كيف تخطط لتنظيم وقتك ؟  فقال اخصص وقت للعبادة ، ووقت للاستذكار والتعلم ، ووقت للعمل ، ووقت لرعاية الاسرة ، ووقت اخر للاهتمام بشئونى الشخصية ونظافتى ، ووقت للترفيه ، ووقت للراحة ، ووقت لممارسة الرياضة بحيث لا يطغى اى وقت على الوقت الاخر ، لا يهمنى ان هذا الشخص مثالى ومنظم ويبدو عليه الفلاح ، ولكن ما يهمنى هو معنى عبارة " تخصيص وقت للعبادة " ماذا يعنى ذلك ؟ يصلى ويقرأ القرآن ويسبح ويهلل ويحمد الله واحيانا يقرأ اذكار المسلم فى الصباح والمساء يذكر الله ويدعوا الله ادعية موروثة متفق عليها ، السؤال هنا اليس الاستذكار  والتعلم عبادة واليس العمل عبادة ، واليس مراعاة شئون الاسرة ، ورعايتها عبادة ، حتى ممارسة الرياضة والاهتمام بالشئون الشخصية والنظافة اليست عبادة ، حتى الراحة والترفيه اليست عبادة ، ان الانسان هذا على مستوى الادراك الواعى فصل واختزل العبادة فى ثلاث او اربع اشياء يعتقد انها العبادات الوحيدة المأجور عليها والتى تعبر عن الدين والتدين ، هذا هو المفهوم الاختزالى للعبادات و هو ما اقصد نقده وتوضيح ابعاده الخطيرة على المفاهيم العقائدية الاسلامية . 

       وتجدر الاشارة هنا الى ان الاعمال التى اطلق عليها هذا الشخص العبادة هى اعمال مغتربة عن الواقع الدينيوى المعيشى وقد نتعجل ونقول انها تشكل نوعا من الاغتراب اتخذ شكلا دينيا  و يعكس الوعى المغترب عن الواقع والفهم الخاطئ للعقيدة الاسلامية على وجه الخصوص .  وذلك لان العقيدة الاسلامية بطبيعتها غير مغتربة عن السياق الدنيوى الواقعى فالدنيا هى موضوع الدين واطاره العام فالدين الاسلامى غايته الاخيرة بعد تحليل محتواه هى اعمار الارض وتنميتها وتحسينها على قدر المستطاع ومقاصده العليا حفظ النفس والعقل والمال والعرض والارض ، فاذا كانت اليهودية هى رغبة فى التفوق الدنيوى باعتبارهم شعب الله المختار وابناء يعقوب ووعدهم الله بالسيطرة على الارض المقدسية من النهر للنهر واقامة مشروع مملكة الدنيا ، وكانت المسيحية هى رد فعل اغترابى ، فما لقيصر لقيصر وما لله لله ، والملكوت الحقيقى هو الملكوت السماوى والجنة الاخراوية ولا قيمة اطلاقا للدنيا او لاعمالنا فيها ، فان الاسلام يجمع بتوازن بين تلك النزعتين فهو دين ودنيا ، ودنيا واخرة ، يطالبنا بالحفاظ على ملكوت الارض وتنميته على اكمل وجه من اجل الفوز بملكوت السماء فالارتباط واضح فى الاسلام بين الدنيا والاخرة .

        نعود لمدخل جديد لتوضيح الفكرة : اننا نتربى على انه اذا سألنا احد ما حق الله عليك قلنا خمس:  الشهادة ، الصلاة ، والصوم ، والزكاه ، والحج والعمرة ، وكفى وعلى هذا الاساس نقيم تدينا ومدى التزامنا الدينى هذا مفهوم اختزالى للدين والتدين ، بل يظن البعض ان الاجر والثواب والحساب سيكون عن مدى الالتزام بهذ الخمس اشياء فقط . وان باقى اعمالنا الدنياوية لن ينظر الله اليها يوم الحساب بعين الاعتبار . واحيانا عندما تاخذنا العزة بالاثم و ندعى التدين نقول سيلغون التربية الدينية من المدراس هذا خطأ وحرام اليس كل العلم غير العلم الدينى مأمور دينيا بتعلمه ! 

ربما يندرج البعض ليقول : انت تقصد المعاملات ، وان الدين المعاملة ومراعاه حقوق العباد والعدل والاحسان الذى امرنا الله بهم ، وهذا اختزال ايضا ، ولكنه اهدأ واصلح حالا من الاختزال الاول ، ربما يقول البعض انت تقصد ان ربك رب قلوب وان الحساب على النوايا ولنهمل الافعال ونتائجها هذا لا اقصده .

    ان موضوع الدين وبخاصة الدين الاسلامى والتدين الاسلامى مختلف عن مجرد تأدية شعائر وطقوس 

       هذا لا يعنى اننى انكر العبادات التقليدية او الطقوس والشعائر او الاركان الخمس وكل ذلك من المغربات للوعى الانسانى ؛ فالحاجة الى الاغتراب والانفصال عن الواقع الدنيوى مطلوبه  ، وتنشيط الخيال الاخروى ( الخيال الموعود - الوعد - ) المغترب مطلوبه من المسلم فى فترات حتى يعيد شحن طاقته ويجدد نفسيته لاعادة تقبل الحياة والواقع " ارحنا بها يا بلال " .

     اننى افهم الدين على انه  مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا الأحزاب - الآية 23 اى ان الدين عهد وميثاق بين الانسان وربه هو-اى الله - استخلفنى وانا قبلت الاستخلاف واتبعت منهج الاستخلاف الذى ارشدنى اليه

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَالبقرة - الآية 30وهو مجموعة مبادئ ومقاصد عليا ، واصبحت نائبا وممثلا للارادة الالهية فى كل افعالى ، استخلفنى لاعمار الارض وتنميتها وتحقيق الصالح العام ، وهذه هى الامانه التى حملها الانسان وابى ان يحملها الجبال

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا الأحزاب - الآية 72، وهذا هو الصراط المستقيم وهذا هو الفلاح .

بقى لنا سؤال ما هو منهج الاستخلاف ومن اين نحصل عليه وهو ما يدعونا للتأمل فى كلام الله وفى كتابه .


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

غاية الانسان فى العقيدة الاسلامية

  غاية الانسان فى العقيدة الاسلامية اعداد : احمد حمدى حسن حافظ دبلوم عالى فى الدراسات الاسلامية منذ حوالى 20 سنة تقريبا واثناء قرأتى ل...