الأخلاق فى النسق الإسلامى
بقلم احمد حمدى حسن حافظ
كما قلت قبل ذلك أننى لا انظر للأخلاق على أنها قواعد منظمة
للسلوك الإنسانى وإنما أرها جوهر أى مضمون له قيمة يتشكل حوله سلوك الإنسان وأرى أن
الإنسان يشبه جهاز الكمبيوتر فى أنه يعمل بنظام تشغيل وهو مجموعة من البرامج الأولية
(الجوهر الأخلاقى ) فتتشكل سلوكيات الإنسان أوتوماتيكيا بشكل آلى تبعا لهذا الجوهر
الأخلاقى وقد حاولت أن ابحث عن جوهر السلوك الإسلامى أو جوهر الأخلاق الإسلامية أننى
أرى أن التجربة الأخلاقية فى الإسلام تشبه إلى حد كبير التجربة الأخلاقية للطفل ،فالطفل
يرى أول ما يرى والده أو أبوه (رب الأسرة ) هو المسيطر على كل شئ فى حياته وهو الذى
يتولاه بالرعاية الشامله ويحقق له الأمان الذى ينشده الطفل بجواره وما على الطفل إلا
طاعة ذلك الأب بكل إلتزام حتى يضمن إعالته له وحمايته له وتحقيق السعادة له وتكون الطاعة
بشكلها الساذج إذ ليس من حق الطفل أن يسأل أبوه لما أفعل ذلك أو لما لا أفعل لعله من
باب الاحترام أو من باب فقدان التساوى أو من باب أن العلاقة ليست علاقة الند بالند
أبى يعى ويفهم الحياة أكثر منى
وهنا نرى الاسلام يتحقق فيه ذلك الجوهر الأخلاقى بشكل كبير
فعلى المؤمن أن يستسلم ويخضع لله دون أى سؤال ويؤمن بالقضاء والقدر وبان اختيار الله
هو الاختيار الصحيح الذى يحوى مصلحة للمؤمن فعلم الله مطلق فالله كبير فمعنى الإسلام
هو الاستسلام والخضوع لله ومن ثم طاعته فى كل ما يأمر به دون مناقشه أو استفسار لان
الله يعى العالم كله وهذا يحقق للانسان الاحساس بالطمئنينه و السكينه والأمن كما يشعره
بأنه لم يعد يخشى المستقبل لان فيه السعادة الابدية فى الجنة بشتى ملاذها الحسية ومن
هنا أرى أن الاسلام دين الفطرة الحقيقى
فالفطرة بمعناها البسيط هى السذاجة البدائية التى يولد بها
الطفل وهذا هو غاية الاسلام الاستسلام لقوة الواحد القهار وكذلك الصبر على ابتلاء الله
وحبس أى نشاط للذات يخالف أوامر الله
وهنا نجد الإسلام ينظر للخير إلى انه المتعة الحسية البريئة
التى يكفل الله جزء منها للإنسان فى هذه الدنيا والجزء الآخر بعد الموت والحساب أن
هو صبر وشكر وأطاع الله
لان الطاعة تؤدى بالانسان للخير الذى هو الاستمتاع بملذات
الجنة الحسية كما أن الفطرة هى الحالة المزاجية التى تعبر عن نفس سوية غير مركبة تشعر
كل لحظة بأنها ولدت من جديد بانفصالها عن ماضيها ولذا كانت التوبة المستمرة والاستغفار
من العبادات الاسلامية الهامة
فاذا وضعت أمام الطفل كوب من اللبن وآخر من الخمر فلابد أن
الطفل سيذهب إلى اللبن لان طعمه حلو المذاق بينما الخمر مره كريهة الرائحة
انه الاسلام أن تكون طفلا مطيعا جميلا لله المتناهى فى الكبر
ولا تتساءل وأما إذا قابلتك صعوبات فى الدنيا فهى اختبارات من الله عليك أن تتحملها
وتصبر عليها وانت على يقين بأنها ستزول مما يساعد على زوالها وخصوصا وان الاسلام يحرص
على تجديد الشخصية من خلال الاستغفار والتوبة المتجددة
وهناك بعض الغرائز فى الانسان وضعها الله فيه لا ينظر لها
الاسلام بصورة عدائية كالمسيحية ولكن بصورة ما يعرف عند الفلسفات السكندرية بموازنة
اللذة وذلك لان الاسلام يقوم على فهم الخير فهما مرتبطا باللذة الحسية للمزاجيات البسيطة
البدائية غير المركبة
فاللذة الجنسية يشرع لها الاسلام الزواج ولذة الاكل والشرب
يبيحها الإسلام فيما عدا الأشياء التى تفسد الذوق الفطرى الذى هو اساس الاسلام
اما اللذة العقلية (الاحاسيس العقلية الممتعة ) فيحققها الاسلام
بحثه على التأمل التغزلى ولكن فى اطار كتاب الله والطبيعة ولكن تكمن الخطورة فى ان
الاسلام يعمل على وأد أهم غريزة عند الانسان مرتبطة بتطوره الحضارى وهى التساؤل إلا
فى حدود ضيقة وهى التساؤلات التقنية والمهارية والمرتبطة بوجه عام بمعيار المنفعة
وهنا استطيع ان اقول ان الاسلام قد قدم الصورة الحياتية
( الكتالوج ) الذى يحافظ به على نفسية الانسان وجهازه العصبى ويقيه من أمراض كثيرة
كالقلق والتوتر والخوف والاكتئاب واضطرابات التفكير وما الى ذلك من الامراض النفسية
المعروفة
اذن الاسلام أسلوب حياة صحية سليمة نافعة ولكنه ليس فلسفة
بمعنى انه ليس اجتهاد عقلى نظرى يحاول الاجابة على اسئلة الفلاسفة بل هو نمط تطبيقى
حياتى
ان الاسلام دين الحق ولكنه لا يقدم الحقيقة المعرفية الكاملة
بل يقدم ما يعنى الانسان منها ويحافظ على جهازه العصبى وعلى الانسان الا يتساءل عن
الوجود لان الله اكبر بكثير من هذا الوجود
اما هؤلاء الذين يحاولون ان يجعلوا الاسلام دينا يحث على
الفلسفة والبحث عن الحقيقة فهم لم يفهموا الاسلام ولم يفهموا علم النفس الوقائى فالاسلام
يدعوا الى العمل النافع الذى يحقق الاستفادة النفسية أو الاقتصادية وهنا نرى تشابه
بين الاسلام الهادف لاعمار الارض والمذهب البرجماتى النابع من فكر المتطهريين البيوريتان
الامريكان
وهنا لا نرى ان الاسلام يدعوا للمدنية والحضارة والتقدم والتغير
والتطور لما يسببه هذا من اضرار بالغة بالجهاز العصبى للانسان فالمدنية تقتضى علاقات
غير مباشرة ( صراعات منافسات ) ويتشابه هذا مع الفكر المعاصر الذى يدعوا لمعاداة الحضارة
والمدنية المبنى على مشكلات البيئة والداعى للعودة لحياة البساطة والطبيعة ولعلنا نلاحظ
برغم تقدم العلوم فى العصر العباسى الا انها لم تستخدم لصنع تكنولوجيات تسهل الحياة
بطريقة التكنولوجيا الامريكية والسبب بسيط ان الناس كانت راضية ومكتفية بحالتهم البدائية
الجميلة فالحضارة والمدنية كونتها عقول ذو امزجة غير راضية والفلسفة كونها أناس فرحين
لدرجة البلاهة بالاحساس بالعقل وقدرته على التجريد والتحليل ويتخيلون انهم بذلك سيصلون
الى معرفة مطلقة
خلاصة القول أن الإسلام هو الحل فى القرن الواحد والعشرين
لعلاج الاحباط واليأس الناتج عند الفلاسفة من إحساسهم بالعجز عن الوصول لحقيقة كلية
مطلقة
وعلاج كل مشكلاتنا بمدخل جمالى استاطيقى
واذا قارنا بين الاسلام و اليهودية لوجدنا أن اليهودية فى
بدايتها كانت اسلام لكن اليهود وقعوا فى غرام الههم فنشأت علاقة حب الكره وهى علاقة
نفسية مركبة تجعل الانسان فى قمة حبه للشئ يكره ويتحداه ويؤثرون الههم عليهم فقط دون
غيرهم من الامم ويسعون لاقامة جنة الله فى الارض
اما المسيحية فهى كانت كالاسلام ولكن كان اتباعها فلاسفة
يتساءلون ويجيب شيوخهم فيختلفون حتى تفرقوا وخرج دينهم عن الاطار الفطرى ليصبح مجموعة
من الطروح الفلسفية اللاغائية
وهنا تتضح حكمة الاسلام حين نهى عن التعمق الفكرى واشاع الرضا
المعرفى بالقليل
هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون
"يا ايها الذين امنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم
تسؤكم "المائدة 101
" أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل
"البقرة 108
وعمر يضرب من يسأل عن القدر بالجريد
واحترم الاسلام الاميين وجعل منهم رسولا
لكن دعونا نتصور معا كيف ننقل تلك المفاهيم الفردية المتطهرة
إلى المجتمع
الذى ينبغى أن يكون نقى طاهر ساذج برئ يسوده الحب والمودة
والصدق والااخاء
شيئا هاما ينبغى ان اشير اليه
ان الله فى الاسلام ماكر والمسلمون يرون أن ذلك جزء من عظمة
الله ومن يتقبل المسلمون وجود الشر فى المجتمع انه ما دام الله اراد ذلك فلابد من وجود
حكمة متعالية وان لم يدركوها من وراء وجود هذا الشر
وهنا نرى أن المجتمع الاسلامى كنسق لا يرفض وجود اهل الزمة
والكفرة والعصاه فى المجتمع ولكن بالشكل الذى لا يؤثر على حرية المسلمين فى ممارسة
عقيدتهم الفطرية
هنا كانت المشكلة ان الاسلام ينبغى ان يكون حاكما حتى يحقق
تلك الحرية التى لا يوجد فيها اعتداء على حرية الاخرين وهنا توالت الفتوحات الاسلامية
لتحرير الشعوب فى حين ان الاشخاص غير الاسوياء يعيشون جنبا الى جنب مع الاسوياء الفطريون
تحت حكومة تحمى حقوق الفطرييون
لأن الإنسان الفطرى الذى يوجد فى مجتمع لا يؤمن بالبدائية
لن يستطيع التعايش مع مجتمعه المركب .
وعليه إما أن يحمل بداخله تناقض لا علاقة له بجوهر دينه وأما
أن ينسحب من المجتمع برمته وهذا ما يعرف بالعصيان المدنى أو التصوف أو الانسحاب وهذا
ذاته لا يرضاه الإسلام ،
اذن فالاسلام ينبغى ان يكون حاكم ( الاسلام السياسى ) من
هذا المنظور ولقد اختار الله العرب ليرسى فيهم الاسلام لانهم قوم حرب يستطيعون الدفاع
عن دينه
ولم يوحد العرب شيئا غير الاسلام لانهم كانوا لا يزالون يعيشون
عيشة الفردية
فى ضوء ما فات نكاد ندرك ان المجتمع الاسلامى لم يتحقق سوى
مره واحده فى التاريخ ايام الرسول والصحابة اما عندما جاءت الدولة الاموية وكونت المدينة
بدأ محاولات المسلمين للثورة عليها وعندما فشلوا بدأ الانسحاب للمسلميين الحقيقيون
ليشكلوا فى العصر العباسى الحركة الصوفية
اذن فنحن نتعامل مع عدة اشياء
الاسلام كما ظهر كفكرة مطروحة لا وجود لها الا فى عصر صدر
الاسلام
التأسلم وهو مركب من الفكرة الاسلامية بعد حدوث انعكاسات
اجتماعية وثقافية عليها
ونستطيع ان نقول انه الان لا يوجد اسلام وانما تأسلم
فالاخلاق الاسلامية التى يستحيل وجودها الان سوى بالعصيان
المدنى هى اخلاق الفطرة
اما التأثير الاخلاقى للإسلام هو الموجود والقابل للدراسة
شأنه شأن أى تأثير آخر اثر على خبرتنا التاريخية وفى
هذا التأثير سنرى أكثر من رؤية للأخلاق الاسلامية .
ولكنها رؤى مأخوذة من مصادر اخرى غير الاخلاق الاسلامية التى
ادعى عدم وجودها الان فى الواقع الا من خلال العصيان المدنى
خلاصة القول
لا توجد اخلاق اسلامية الا فى عصر محدد هو عصر صدر الاسلام
لانه
لا يوجد مجتمع اسلامى قام بعد مجتمع المدينة المنورة وقيام
مثل هذا المجتمع بعد تعقد الحياة فى العالم يعد أمرا مشكوكا فيه
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق