إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 22 يوليو 2022

الأنسان فى فكر الامير عبد القادر الجزائرى

 

الأنسان فى فكر الامير عبد القادر الجزائرى



بقلم احمد حمدى حسن حافظ

تهتم هذه الدراسة بفكر رجل من كبار مؤسسى الدولة الحديثة بالجزائر , وبالتحديد فكره عن الإنسان , مما يجعلنا نبحث عن الاصول الفكرية النظرية والخلفية الفكرية العامة عنده , فى واحد من أهم موضوعات الميتافيزيقا  , وهو موضوع ذو انعكاسات سياسية , الا و هو تصور الإنسان فى العالم والكون وحريته ومصيره , تلك الأصول الفكرية التى تمثلها واعاد صيغتها كسياسة تطبيقية الامير عبد القادر .

فقلما نجد قيادة تجمع فى فكرها وعملها وقرارتها روح الحزم و التسامح وأحترام الانسان وكرامته , بل قلما نجد قياده يجتمع فيها الفكر والعمل فتفعل ما تقول وتقول ما تفعل , و لذا كان التركيز على الأمير عبد القادر الجزائرى كنموذج وقدوة للقيادة التى لا ينفصم فيها الفكر عن الممارسة والعمل .

" اننا لانعرف شيئا عن حياة الأمير عبد القادر الا ما يقدمه المؤرخون بوصفه محاربا جريئا وقائدا عسكريا ,الذى صار بجهادة ضد الاحتلال الفرنسى , فهو البطل القومى بين الثوار الجزائريين حتى اليوم , ولكننا مع ذلك قليلا ما نتوقف أمام حقيقة اتجاهاته الفكرية " نفترض فى هذه الدراسة ان دوره السياسى كان اعادة صياغة لفكره النظرى الفلسفى وخصوصا عن الانسان .

ففى شهر أبريل 2006  وفى قصر الامم بجنيف فى أطار معرض وملتقى دولى يتم الاشادة بالأمير عبد القادر الجزائرى فيقول السيد أدريس الجزائرى سفير الجزائر فى الامم المتحدة : " الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة قام بوضع أسس القانون الإنساني الدولي منذ العام 1837 وهذا حتى قبل ظهور أفكار هنري دينون مؤسس حركة الصليب الأحمر، بل حتى قبل إبرام معاهدة جنيف التي لم تكتمل إلا في العام 1864 " فهو أعتبر  أن أي فرنسي يتم أسره في المعارك يجب ان يعتبر أسير حرب، وأن يعامل كذلك إلى أن تتاح فرصة تبادله مقابل أسير جزائري" ، كما "حرم تحريما قاطعا قتل أسير مجرد من السلاح"، وأن "أي عربي يقدم أسيرا فرنسيا يحصل على مكافأة قدرها 8 دورو (وهي العملة الجزائرية التي تساوي 5 سنتيم).كما حدد الأمير عبد القادر بأن "على أي عربي في حوزته أسير فرنسي، أن يعامل هذا الأخير معاملة حسنة. وفي حال شكوى الأسير من سوء المعاملة، ليس فقط أن المكافئة تسقط بل قد يرافق ذلك بعقوبات أخرى". وهذا ما جعل "أعدادا من الأسرى الفرنسيين القدامى الذين تلقوا علاجا من قبل الأمير، كانوا يأتون من مناطق نائية في اتجاه قصر "بو" وقصر "أمبواز" حيث كان الأمير معتقلا، لتحية من كان المنتصر بالأمس".

كما تبين مما فات فنحن أمام قيادة عربية أسلامية تعكس الروح السمحة للاسلام فقد أشادت المفوضة السامية لحقوق الإنسان لويز آربور "بمظاهر التسامح" التي برهن عنها الأمير عبد القادر، مشددة على أننا في حاجة "الى الانفتاح على الآخر" ومعربة عن "الإلتزام بمكافحة عدم التسامح" الذي قالت عنه "إنه أصبح في تعاظم مستمر".

فوجود تصور للأنسان يعلى من قيمته وكرامته واستقلاليته وحريته هو حجر الأساس فى تحقيق أى نهضة أو تحديث أو تنوير , فالانسان عندما يكون فاعل حر مستقل له دوره فى صناعة التاريخ , تكون الحداثة ويكون التحديث , وهو ما نجده عند رائد التحديث الجزائرى ومؤسس دولتها الحديثة الأمير عبد القادر الجزائرى , لقد تحقق فى الغرب ذلك التصور عن الانسان مع بدايات عصر النهضة وكان سببا لتلك النهضة , وأشتد عوده فى عصر التنوير ,  الا ان هذا التصور مازال يعانى فى الغرب وخصوصا مع المزيد من المطالبه بحقوق الانسان وأحترام كرامه الحياه الانسانية  ,  لكن ان يتحقق ذلك التصور و يتخارج من التراث الدينى الاسلامى ومن التراث فقط , يدل على أصالة وعمق ذلك التراث , كما يدل على ان الحداثة والتحديث يمكن أن تنشأ من داخل التراث الذى يمتلك مقومات تلك الحداثة , وهذا ما فعله الامير عبد القادر فى تصوره   للانسان , اذ أثبت ان التراث الاسلامى يمتلك أهم خصائص الحداثة والتحديث والنهضة . وخصوصا فى تصور الانسان الذى مازال ينصب حوله جدل اليوم مع علو أصوات المنادين بحقوق الانسان .

ونرى أن جوهر نظرية الانسان عند الأمير عبد القادر هى الكرامة و الارادة و القدرة الانسانية ومركزية الانسان فى العالم فهو يقول ان  " وجود الانسان هو المقصود بالذات من وجود العالم "  و يضيف  " الانسان بمثابة انسان العين من الحق ", ويبرر الامير فكرته هذه عن  الانسان , تبريرا روحيا يعود فيه لتراث دينى  , فهو يبدأ مع فكرة خلق الله  للانسان على صورته , وبهذا ترتفع المرتبة الوجودية للانسان , ولكنه يوضح انه ليس المراد بالصورة هنا الذات العليا انما المقصود " يكون مشاركة الانسان الكامل للحق تعالى فى الاسماء الالهية وهذه الصفة قد جاءت للإنسان دون غيره على سبيل التشريف والتكريم " .

الصفات الالهية التى اثبتها الامير عبد القادر هى الحياة التى هى منبع الكمال , و    العلم , و الارادة  , و القدرة وهى الصفات التى يشارك فيه الانسان الله باعتبار الله حقيقة باطنة للانسان ولكن لا يوجد مطابقة تامة وهذا طبيعى فى أطار تنزيهه للالوهية  وهذه الصفات جوهرية فى فهم تصور الامير للانسان .

 حيث يبدوا تصوره عن الالوهية والذى يتداخل و ينعكس على تصوره عن الانسان بشكل كبير, اذ لا يستحسن الامير عبد القادر الكلام عن الذات الالهية باعتبارها " الغيب المطلق فهى من هذه الحيثية بالذات لا تدرك حسا ولا عقلا ولا  كشفا " حيث يظهر اختلاف نظرته للانسان عن معظم علماء الكلام .

 وهنا يبدو موقفه من المتكلمين وخصوصا المعتزلة والظاهرية والاشعرية الا انه ربما يميل للاشعرية اذ ينقل عن الجوينى و الشهرستانى والرازى  رجوعهم عن مذهب المتكلمين كما ان الصوفيه تتابع الصفات التى اثبتها الاشاعرة ولكن تثبتها بطريقة أخرى وهو موقف الامير عبد القادر .

 وهو يقول موضحا الخطأ الذى وقع فيه المتكلمون على أختلاف طوائفهم هو ما يتعلق بالذات الالهية وصفاتها فهم لم يحيطوا بحقيقة التنزيه و التشبيه معا , فى رأى الجوينى التبس عندهما الامرين فالتشبيه لا يكون الا فى الصفات ,  فنلاحظ  هنا فى حقيقة التشبيه الارتباط بين الانسان و الاله عند الامير عبد   القادر  .

 و الذى لا يبرره سوى متابعة الامير للتصوف الفلسفى عند ابن عربى والمتمثل فى نظرية وحدة الوجود . وهذا ما يظهر  التوجهات الفكرية للامير عبد القادر التى لا نعلم عنها الا اشارات فقط , مثل أنه كان صوفيا ينتسب الى الطريقة القادرية بحكم رئاسة والده لها      ( وهى الطريقة التى تنسب الى الامام عبد القادر الجيلانى (ت561هـ ) . وتقوم على خمس أصول هى : علو الهمة وحفظ الحرمة وحسن الخدمة ونفوذ العزيمة وتعظيم النعمة , ويعد عبد القادر الجيلانى من كبار الصوفية السنيين الذين حظوا باحترام شديد من جانب الأمام ابن تيمية الفقيه الحنبلى لموافقته فى مسائل العقيدة وآراءه الصوفيه لمذهب السلف) و انه من تلاميذ محى الدين ابن عربى الصوفى المتفلسف (ت638 هـ ) كما يبدو من خلال كتابه المواقف .

و القصد الاول من وجود الانسان عند الامير عبد القادر يتمثل فى المعرفة بالله وعبادته و المعرفة بالله تتم من خلال صفاته التى سبق وتحدثنا عنها وعن تشبه الانسان بها . والكمال الوجودى يتم عند الامير عبد القادر بالحقيقة المحمدية اذ انه اول مخلوق تعين فى الحضرة العلمية . و الانسان مكلف لانه مختار أو مسير لما اراد الله له تعالى فموقف الامير من مشكلة الجبر والاختيار موقف صوفى يميل للاختيار الذى لا يتنافى مع علم الله المسبق .

اما عن مصير الانسان عند الامير عبد القادر فنجده مصير مشرق دائما فهو يقر الوعد الالهى بالثواب و النعيم ويتخذ موقفا من الوعيد الا وهو العقاب اذ ان رحمة الله غلبت غضبه فهو يتخذ موقفا من ابدية الوعيد ولا ينكره فى ظل ايمانه بالعدل الالهى .

ذلك اذا كنا نتحدث عن موقف الامير النظرى كما تبين فى كتابه المواقف اما اذا كان لنا ان نتحدث عن موقفه العملى التطبيقى فيقول رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة، إن الأمير عبد القادر قام ابتداء من سنة 1837، أي قبل اتفاقية جنيف التي تم تبنيها سنة 1864.، قام بتحديد مفهوم حقوق المستضعفين والمغلوبين والأسرى وجرحى الحرب والسجناء. وأضاف رئيس الجمهورية إن الأمير قام بتقنين هذه الحقوق التي كانت غير معروفة آنذاك.،  فالأمير عبد القادر قام بصياغة مرسوم وطني تناول طرائق الحرب. وهو مرسوم يمنع على جنوده المساس بكرامة الأسرى وبسلامتهم الجسدية. وقد قيد هذا القانون العسكري، الذي كان يحظر تعذيب الأسرى من العداء وقتلهم، في ميثاق حظي بدوره بموافقة زعماء العشائر وممثلي هيئات الدولة الجزائرية آنذاك.

واقعة إقدامه على تخليص ألف ومائتي مسيحي من الموت بسبب الصراعات الطائفية التي وقعت بين المسلمين والمسيحيين سنة .1860 كيف وصل به الأمر للمخاطرة بحياته وبحياة الجالية الجزائرية في دمشق، إن الأمر وصل بالأمير إلى انه دفع مبلغا من ماله الخاص لكل من يخلص مسيحيا من الموت.

وتحدث بسايح في الأخير عن المغزى من هذه الواقعة، وتساءل قائلا ''ماذا كان سيحدث لو لم يقدم الأمير على تخليص المسيحيين من الموت في دمشق؟''، ورد قائلا ''كان ذلك سيؤدي إلى حرب صليبية ثانية يدفع العالم العربي والإسلامي ثمنها غاليا''.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

غاية الانسان فى العقيدة الاسلامية

  غاية الانسان فى العقيدة الاسلامية اعداد : احمد حمدى حسن حافظ دبلوم عالى فى الدراسات الاسلامية منذ حوالى 20 سنة تقريبا واثناء قرأتى ل...